أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
23
الكامل في اللغة والأدب
وذكر العتبيّ أن معاوية أسرّ إلى عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان حديثه ، قال عثمان : فجئت إلى أبي فقلت إن أمير المؤمنين أسرّ إليّ حديثك أفأحدثك به قال لا إنه من كتم حديثه ، كان الخيار إليه ومن أظهره كان الخيار عليه ، فلا تجعل نفسك مملوكا بعد أن كنت مالكا ، فقلت له أو يدخل هذا بين الرجل وأبيه ؟ فقال لا ولكني أكره أن تذلّل لسانك بإفشاء السر . قال فرحت إلى معاوية فذكرت ذلك له فقال معاوية أعتقك أخي من رقّ الخطأ . وقال معاوية أعنت على عليّ رحمه اللّه بأربع : كنت رجلا أكتم سرّي وكان رجلا ظهرة وكنت في أطوع جند وأصلحه وكان في أخبث جند وأعصاه وتركته وأصحاب الجمل وقلت إن ظفروا به كانوا أهون عليّ منه ، وإن ظفر بهم اعتددت بها عليه في دينه ، وكنت أحبّ إلى قريش منه ، فيا لك من جامع إليّ ومفرّق عنه وعون لي وعون عليه . وقال أزدشير : الداء في كل مكتوم . وقال الأخطل : إن العداوة تلقاها وإن قدمت * كالعرّ « 1 » يكمن حينا ثمّ ينتشر وقال جميل : ولا يسمعن سرّي وسرّك ثالث * ألا كلّ سرّ جاوز اثنين شائع وقال آخر وهو مسكين الدارميّ : وفتيان صدق لست مطلع بعضهم * على سرّ بعض غير أني جماعها « 2 » يظلّون في الأرض الفضاء وسرّهم * إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها « 3 » لكل امرئ شعب « 4 » من القلب فارغ * وموضع نجوى « 5 » لا يرام اطّلاعها
--> ( 1 ) العر : داء معد يصيب الإبل . ( 2 ) جماعها بالكسر والتحقيق أي أجمع ما تفرق منها . ( 3 ) انصداعها : أي قطعها وشقها وضرب ذلك مثلا لحرصه على كتمان السر وعدم إفشائه لأحد . ( 4 ) الشعب بالكسر أصله الطريق في الجبل . ( 5 ) النجوى : السر .